الشريف المرتضى
379
الذخيرة في علم الكلام
وافقهما . وكان أبو القاسم يذهب إلى أن تأليف القرآن ونظمه غير مقدور من العباد ، واستحالة ذلك منهم كاستحالة احداث الأجسام . وقال قوم : إنه كان معجزا لاختصاصه بنظم مخالف للمعهود . وأسند قوم اعجازه إلى ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب ، وآخرون ذهبوا إلى أن وجه ذلك زوال التناقض عنه والاختلاف على وجه لم تجر العادة بمثله . ونحن نبطل هذه المذاهب سوى القول بالصّرفة ، ونوجه كلامنا إلى مذهب القائلين بوجه الاعجاز من جهة الفصاحة ، فان الكلام معهم أوسع ومذهبهم أقوى شبهة . والذي يدل على ما اخترناه من صرف القوم عن المعارضة وانها لم تقع لهذا الوجه لا لأن فصاحة القرآن خرقت العادة : أنه لو كان القرآن خارقا للعادة بفصاحته لوجب أن يكون بينه وبين كل كلام يضاف إليه التفاوت الشديد والشاق البعيد كما يكون بين ما هو معتاد وما هو خارق للعادة ، فكان لا يشتبه فصل ما بينه وبين ما يضم إليه من أفصح كلام العرب على ما لا يشتبه عليه الفصل بين الكلامين الفصيحين « 1 » بينهما من التفاوت دون ما بين القرآن وغيره . وقد علمنا أن أحدنا يفصل بلا روية ولا فكرة بين شعر الطبقة الأولى من الشعراء وبين شعر المحدثين ، ولا يحتاج في هذا الفصل إلى الرجوع إلى ذوي الغايات في علم الفصاحة . ومعلوم أنه ليس بين كلام فاضل الشعراء وبين كلام مفضولهم القدر الذي بين المعتاد والخارق للعادة . وإذا ثبت ذلك وكنا لا نفترق بين بعض قصار سور المفصّل وبين أفصح شعر العرب وأبرع كلامها ، ولا يظهر لنا تفاوت ما بين الكلامين الظهور
--> ( 1 ) في النسختين « فصيحين » .